هذا هو النائب الذي نريده
إعداد : دكتور / حسين حسين شحاتة
الأستاذ بجامعة الأزهر
تمهيد
إن اختيار النائب الذي يتولى مسئولية الدعوة إلى عمل الخير ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويقدم النصيحة خالصة للناس جميعا حكاما ومحكومين ، ويسعى في قضاء مصالح المجتمع ، ولا يحتجب عن الناس ولا يغشهم ، مهمة صعبة ، فهذا النائب يجب أن تتوافر فيه مقومات تحمل المسئولية من حيث القيم الإيمانية والأخلاقية الفاضلة والسلوك السوي … كما أن مسئولية المواطن الذي يختار هذا النائب صعبة حيث تتصارع الضغوط العرقية والعصبية والسياسية … ونحوها؛ هذه مسائل تحتاج إلى مناقشة لبيان العلاقات بينها ونخلص إلى الصفات الواجب توافرها في النائب الذي نريده.
· مسئولية النائب الذي نريده :
يتحمل النائب تبعة تحقيق الخير للناس عامة دون تحيز أو عصبية وهو مسئول عن ذلك أمام الله تبارك وتعالى وكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأمام نفسه وأمام دائرته التي اختارته وأمام المجتمع الذي يعيش فيه وأمام الأمة الإسلامية التي ينتمي إليها.
وأساس هذه المسئولية من القرآن الكريم قول الله تبارك وتعالى: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) [الأعراف:6] وقوله عز وجل: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)[الحجر92:93] فهذه الآيات تؤكد بأن الله سبحانه وتعالى سوف يحاسب الناس جميعا يوم القيامة عن أعمالهم في الدنيا ، فأنت أيها النائب سوف تقف أمام الله عز وجل ويحاسبك حسابا دقيقا وعادلا عن ما قدمت للناس من خدمات بصدق وإخلاص ابتغاء وجهه عز وجل.
ويؤكد هذه المسئولية الرسول صلى الله عليه وسلم فقد قال : "إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه ، أحفظ أم ضيع؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته"[رواه النسائي]، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك : "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته :″ الإمام راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها ، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته ، وكلكم راع ومسئول عن رعيته" [رواه البخاري ومسلم]
لذلك يجب على من يرشح نفسه نائبا عن دائرة أو جماعة أو قبيلة أن يستشعر أنها مسئولية وليست منصبا أو وجاهة أو مصدراً للمال أو متعة من متع الدنيا ، ولكنها أخطر وأعظم من ذلك ، إنها مساءلة يوم القيامة : (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُـوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) [آل عمران:30].
· من هو النائب الذي يستطيع أن يتحمل تبعة المسئولية؟
لا يستطيع تحمل مسئولية الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (حتى يعيش الناس جميعا في خير وأمن وأمان واستقرار وحب ومودة) إلا الإنسان المؤمن التقي الذي رزقه الله عز وجل حسن الخلق مثل :الإخلاص ، والصدق ، والأمانة ، والوفاء ، بالعهد ، والحلم ، والأناة ، والرفق ، والإيثار ، والشجاعة ، والعزيمة ، والصبر ، والرجاء ، والخوف من الله ، أي الإنسان ذو القيم الإيمانية ، والقيم الأخلاقية ، والسلوك السوي المستقيم طبق شرع الله عز وجل ، ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى:
(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران:104] .
نحن في حاجة إلى النائب الذي يستطيع أن يغير المنكر مطبقا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم : (أفضل الجهاد كلمة عدل (حق) عند سلطان جائر) [رواه أبو داود].
وإلى النائب الذي يسعى في قضاء مصالح الناس بإخلاص ابتغاء وجه الله حتى يلقى الله وهو آمن ، ففي هذا الخصوص يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (إن لله عبادا اختصهم لحوائج الناس يفزع إليهم في حوائجهم ، أولئك الآمنون من عذاب الله) [رواه الطبراني].
وإلى النائب الذي يأمر ولي الأمر أن يحكم بشريعة الإسلام ولا يكون من الذين ينافقونه حتى لا يلعنه الله ، فقد ورد في الأثر : (يكون في آخر الزمان قوم يحضرون السلطان ، فيحكمون بغير حكم الله ، ولا ينهونه فعليهم لعنة الله)[رواه الديلمي].
إن النائب القوي الأمين الذي يخاف الله ويتقه ، ويتحلى بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون خيرا على الأمة والمجتمع وعلى نفسه ، وإن النائب السفيه المنافق الذي يتاجر بمصالح الناس فهو شر ، فقد روى الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إذا أراد الله بقوم خيراً ولى أمرهم الحكماء ، وجعل المال عند السمحاء ، وإذا أراد الله بقوم شرا ، ولى أمرهم السفهاء وجعل المال عند البخلاء" [رواه أبو داود].
· مسئولية المواطن في اختيار النائب الصالح:
يجب أن يكون المواطن إيجابيا مقداما في عمل الخير والدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر ، وذلك في كل أمور حياته ، ولا يكون سببا أو إمعة ، يقول أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت وإن أساءوا أسأت.
ويعلم أن اختيار نائبه شهادة ويجب أن تكون شهادة حق ولا يكون من المزورين ، بل يكون من عباد الرحمن الذين قال الله عز وجل فيهم : (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)[الفرقان: 72].
كما يجب أن يوقن أن اختيار الأصلح أمانة في عنقه يسأل عنها يوم القيامة فمن صفات المؤمنين (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) [المؤمنون:32]وإذا لم يقم بذلك فقد خان الله ورسوله ، فلقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال عندما سئل عن الساعة :" إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة" ، قال وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" [رواه البخاري] ,ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك: " من استعمل رجلا على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه ، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين" [رواه أحمد والحاكم] ، كما قال: " من ولي من أمر المسلمين شيئا فأمر عليهم أحدا محاباة ، فعليه لعنة الله ، لا يقبل منه صرف ولا عدل" [رواه أحمد].
ويجب أن يفقه المواطن أنه مسئول أمام الله عز وجل عن اختيار من يمثله ، فليست المسألة سياسية أو اجتماعية أو قبلية أو عصبية أو نحو ذلك بل هي أمر من أمور الدنيا ومرتبط بالآخرة ، لأن حياة المسلم كلها لله عز وجل مصداقا لقوله عز وجل : (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)[الأنعام:162،163]ففي فقه المسئولية في الإسلام تتبين أن المواطن مسئول عن اختيار النائب الصالح الورع التقي القوي الكفء الأمين الصادق الشجاع ، كما أن النائب إذا كان من الناصحين المخلصين يدخل الجنة مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " ما من أمير يلي أمر المسلمين ، ثم لم يجهد لهم ، وينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة" [رواه مسلم].
فإذا عرف النائب المختار تبعة المسئولية أمام الله ، وإذا كان اختياره على أساس الأصلح وإذا كان فقه المواطن أن يكون إيجابيا يؤمن بأن اختياره للنائب شهادة ومسئولية أمام الله سوف يتحقق الخير للجميع ، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يولي أمورنا خيارنا ولا يولي أمورنا شرارنا ، اللهم اجعل بلدنا آمنا مطمئنا .
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
هذا هو النائب الذي نريده
إعداد : دكتور / حسين حسين شحاتة
الأستاذ بجامعة الأزهر
تمهيد
إن اختيار النائب الذي يتولى مسئولية الدعوة إلى عمل الخير ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويقدم النصيحة خالصة للناس جميعا حكاما ومحكومين ، ويسعى في قضاء مصالح المجتمع ، ولا يحتجب عن الناس ولا يغشهم ، مهمة صعبة ، فهذا النائب يجب أن تتوافر فيه مقومات تحمل المسئولية من حيث القيم الإيمانية والأخلاقية الفاضلة والسلوك السوي … كما أن مسئولية المواطن الذي يختار هذا النائب صعبة حيث تتصارع الضغوط العرقية والعصبية والسياسية … ونحوها؛ هذه مسائل تحتاج إلى مناقشة لبيان العلاقات بينها ونخلص إلى الصفات الواجب توافرها في النائب الذي نريده.
· مسئولية النائب الذي نريده :
يتحمل النائب تبعة تحقيق الخير للناس عامة دون تحيز أو عصبية وهو مسئول عن ذلك أمام الله تبارك وتعالى وكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأمام نفسه وأمام دائرته التي اختارته وأمام المجتمع الذي يعيش فيه وأمام الأمة الإسلامية التي ينتمي إليها.
وأساس هذه المسئولية من القرآن الكريم قول الله تبارك وتعالى: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) [الأعراف:6] وقوله عز وجل: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)[الحجر92:93] فهذه الآيات تؤكد بأن الله سبحانه وتعالى سوف يحاسب الناس جميعا يوم القيامة عن أعمالهم في الدنيا ، فأنت أيها النائب سوف تقف أمام الله عز وجل ويحاسبك حس
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ